ثمة مشكلة مزمنة في الطريقة التي تقيس بها الحكومات نجاح سياساتها و برامجها الاقتصادية. فالحكومة تنظر إلى الاقتصاد من خلال جداول النمو والتضخم والبطالة والاستثمار والاحتياطيات، بينما ينظر إليه المواطن من خلال محفظته، وفاتورة مشترياته، وإيجار منزله، ونفقاته. وبين القراءتين مسافة تكبر إلى حد يصبح معه " الاقتصاد الحكومي " أشبه باقتصاد موازٍ ، متخم بالتقاريرو الإنجازات في المؤشرات الايجابية، لكنه لا يجد طريقه إلى جيب المواطن.
غالباً ما تجد الحكومات في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة تدفقات الاستثمارات، وتحسّن التصنيفات الائتمانية، فرصة للتباهي بإنجازاتها أمام السلطة التشريعية والصحافة وأحزاب المعارضة – إن وُجدت – لكنها تجد صعوبة في الإجابة عن أسئلة المواطن الأكثر بساطة وأهمية: لماذا لم يتحسن وضعه المعيشي؟ ولماذا لم يرتفع دخله بما يتناسب مع ما يدفعه للسكن والغذاء والتعليم والنقل؟ وهل يعيش اليوم أفضل مما كان عليه قبل عام أو عامين؟
تلك هي الأسئلة التي تحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت السياسات والبرامج الاقتصادية الحكومية ناجحة أم لا. فالمواطن ليس معنياً كثيراً بأن يحقق الاقتصاد نمواً بنسبة 3% أو 5%، أو أن يتراجع التضخم نقطة مئوية، أو أن تسجل تدفقات الاستثمار الأجنبي رقماً قياسياً، أو أن تتقدم بلاده عدة مراتب في مؤشر التنافسية. هذه أرقام مهمة لصانع القرار والمستثمر والخبير الاقتصادي، لكنها تظل بالنسبة إلى المواطن مجرد مؤشرات وأرقام، ما لم تتحول إلى قدرة شرائية أعلى، وإيجار أقل، وفاتورة كهرباء أخف، أو حتى كيلوغرام إضافي من اللحم.
المستهلك لا يضع معدل النمو في سلة مشترياته، ولا يدفع إيجار منزله بمؤشر التنافسية، ولا يستطيع أن يقنع صاحب المتجر بأن التضخم تراجع كي يحصل على سعر أقل. ولا يستطيع أن يطلب من البنك تخفيض قسط قرضه لأن التصنيف الائتماني لبلاده تحسّن، أو أن يقنع مدرسة أبنائه بقبول معدل البطالة المنخفض بديلاً عن الرسوم الدراسية. بالنسبة إليه، الاقتصاد ليس ما تقوله التقارير، بل ما يستطيع شراءه بما تبقى في جيبه بعد دفع الفواتير.
في مصر، على سبيل المثال، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي في أكتوبر 2026، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما قُدّم باعتباره مؤشراً على انحسار الضغوط التضخمية. لكن قراءة تفاصيل الأرقام تكشف أن معركة المعيشة لم تنتهِ، وأن تراجع معدل التضخم العام لا يعني بالضرورة تراجع الأعباء التي تتحملها الأسر.
ففي الوقت الذي سجلت فيه أسعار الغذاء والمشروبات ارتفاعاً أقل نسبياً، واصلت تكاليف السكن والنقل والتعليم الصعود بوتيرة أعلى بكثير. فقد ارتفعت الإيجارات الفعلية للسكن بنحو 28% على أساس سنوي، والنقل بأكثر من 22%، والتعليم بنحو 20%. وهذه ليست نفقات ترفيهية يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها، بل التزامات أساسية لا تملك الأسر رفاهية الهروب منها، وتلتهم حصة متزايدة من دخولها، حتى عندما تشير المؤشرات الرسمية إلى تراجع التضخم.
فالمواطن المصري لا يدفع فواتيره وفقاً لمتوسط التضخم العام، بل وفقاً لأسعار فعلية يدفعها مقابل السكن والتعليم والمواصلات والغذاء. وإذا لم يرتفع دخله بما يتناسب مع هذه الزيادات، فإن قدرته الشرائية ستتآكل، واستهلاكه سيتراجع، وستتحول بعض احتياجاته تدريجياً من أساسيات لا غنى عنها إلى كماليات يمكن الاستغناء عنها، أو تُحذف ببساطة من قائمة مشترياته.
وفي سوريا، تبدو الفجوة أكثر قسوة، إلى حد يصعب معه الحديث عن المؤشرات الاقتصادية بمعزل عن القدرة على تأمين متطلبات الحياة الأساسية. فالأسعار تواصل ارتفاعها بوتيرة سريعة، فيما تتسع الهوة بين الدخول وتكاليف المعيشة، حتى بات الراتب الشهري لكثير من الموظفين عاجزاً عن تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهم. ووفقاً لتقديرات مركز البحوث السياسية السوري، فإن راتب الموظف الحكومي الجامعي لا يغطي سوى نحو 40% من خط الفقر المدقع، أي إن الموظف الذي يفترض أن يوفر له عمله دخلاً مستقراً لا يحصل حتى على نصف ما تحتاج إليه أسرته لتلبية احتياجاتها الأساسية.
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في الحسابات والمؤشرات الكلية؛ إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق الاقتصاد السوري نمواً يتجاوز 10% خلال عام 2026، رغم استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن حتى لو تحقق هذا النمو، تبقى هناك فجوة لا تستطيع النسب المئوية إخفاءها: ما جدوى نمو اقتصادي لا ينعكس على دخل الموظف، ولا يساعده على تأمين احتياجات أسرته، ولا ينتشله من دائرة الفقر؟
هنا تحديداً تظهر المفارقة بين الاقتصاد الاسمي والاقتصاد الفعلي. قد يسجل الناتج المحلي نمواً مرتفعاً، وقد تتحسن بعض المؤشرات، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أن مستوى معيشة الناس تحسن. فالنمو الاقتصادي ليس راتباً إضافياً، والتصنيف الائتماني لا يسدد فاتورة الكهرباء، والتفاؤل الصادر عن المؤسسات الدولية لا يعفي الأسرة من حساب ما تبقى لديها حتى نهاية الشهر.
المثالان المصري والسوري مختلفان في حجم الأزمة وطبيعتها، لكنهما يلتقيان عند حقيقة واحدة ،و هي أن المستهلك لا يحكم على الاقتصاد بالأرقام التي تصدرها الحكومات، وإنما بما تتركه هذه الأرقام في حياته اليومية. وما دام دخله ينمو بوتيرة أبطأ من نفقاته، فإن الحديث عن تحسن المؤشرات سيظل بالنسبة إليه خبراً اقتصادياً يخص الآخرين.
إن الفجوة بين البيانات الرسمية والتجربة اليومية للمواطن باتت تهدد الثقة نفسها بالمؤشرات. فالمواطن ليس مطالباً بأن يكون خبيراً اقتصادياً حتى يلاحظ التناقض بين ما يسمعه في نشرات الأخبار وما يواجهه في المتاجر. لا يحتاج إلى تفكيك نماذج إحصائية أو مراجعة منهجيات احتساب التضخم ، يكفي أن يقارن فاتورة مشترياته الحالية بما كان يدفعه قبل عام، وأن ينظر إلى راتبه ليدرك أن ثمة شيئاً لا يتطابق بين الروايتين..
مقال رأي | قطر.. من يدفع الفاتورة؟
مقال رأي | هرمز يُعلّق الجرس.. ماذا لو انتهى عصر النفط؟
قصارى القول : لا يعني مما تقدم أن مؤشرات الاقتصاد الكلي بلا قيمة، أو أن بيانات الحكومات ينبغي التعامل معها باعتبارها موضع شك دائم. لكنها، في النهاية، أدوات لقياس الاقتصاد وليست شهادة نهائية على رفاهية المجتمع. والمشكلة تبدأ عندما تتحول تلك الأدوات إلى غايات في حد ذاتها، ويصبح تحسين صورة الاقتصاد في التقارير أهم من تحسين حياة الناس، فتتحول السياسة الاقتصادية إلى سباق لتجميل الأرقام، بدلاً من أن تكون وسيلة لرفع مستويات المعيشة.
المستهلك النهائي هو الحكم الأكثر مباشرة على نتائج السياسات الاقتصادية، لأنه الطرف الذي تصله آثارها ويدفع كلفتها يومياً. فإذا لم تنعكس برامج الدعم على الأسعار، ولم تواكب زيادات الأجور تكاليف المعيشة، ولم تتحول الحوافز الاستثمارية إلى فرص عمل ودخول حقيقية، فستظل كل الأحاديث عن نجاح السياسات موضع تساؤل، مهما بدت أرقامها براقة.
المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها، ولمزيد من المقالات يمكنكم زيارة صفحة "مقالات الرأي"
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي